أحمد زكي صفوت
414
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
313 - صورة أخرى وفي رواية أخرى أن عليّا قال لأهل النهر : « يا هؤلاء : إن أنفسكم قد سوّلت لكم فراق هذه الحكومة ، التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها « 1 » وأنا لها كاره ، وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدة ودهنا ، فأبيتم علىّ إباء المخالفين المنابذين ، وعدلتم عنى عدول النّكداء « 2 » العاصين ، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم ، وأنتم واللّه معاشر أخفّاء الهام « 3 » ، سفهاء الأحلام ، فلم آت ( لا أبا لكم ) بجرا « 4 » ، ولا أردت بكم ضرّا ، واللّه ما خبلتكم « 5 » عن أموركم ، ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم ؛ ولا أوطأتكم عشوة « 6 » ، ولا دنّيت « 7 » لكم الضّرّاء ، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا ، فأجمع رأى ملئكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه ، فتاها « 8 » وتركا الحق وهما يبصرانه ، وكان الجور هواهما ( وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل ) والصّدّ للحق بسوء رأيهما وجور حكمهما ، والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق ، وأتيا بما لا يعرف ، فبيّنوا لنا بما ذا تستحلون قتالنا ، والخروج من جماعتنا ؟ أن اختار الناس رجلين « 9 » أحلّ لكم أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم ، ثم تستعرضوا الناس تضربون رقابهم ، وتسفكون
--> ( 1 ) المراد : سألتموني أن أجيب إليها . ( 2 ) رجل نكد ( بكسر الكاف وفتحها وسكونها ) وأنكد أي عسر ، وقوم أنكاد ومناكيد ، ولم أر في كتب اللغة جمعه على نكداء . ( 3 ) أخفاء : جمع خفيف ، والهام : الرؤوس ، وهو كناية عن قلة العقل . ( 4 ) البجر ، بالضم والفتح : الشر والأمر العظيم ، ويروى حراما . ( 5 ) منعتكم وحبستكم . ( 6 ) العشوة مثلثة : ركوب الأمر على غير بيان ، وبالفتح الظلمة ، ويقال : أوطأته عشوة ، أي غررته وحملته على أن يركب أمرا غير مستبين الرشد ، فربما كان فيه عطبه . ( 7 ) دناه وأدناه : قربه . ( 8 ) ضلا . ( 9 ) همزة الاستفهام مقدرة قبل أن : أي هل اختيار الناس رجلين أحل لكم ذلك ؟